الشيخ السبحاني
328
رسائل ومقالات
فهؤلاء يريدون أيضاً أن يدركوا ما وراء الطبيعة بالحس والتجربة ، مع أنّ الأداة الخاصة لمعرفة اللَّه وصفاته الجمالية والجلالية هي العقل والبرهان والدليل ، وبها فقط نستطيع أن نرفع الغطاء عن وجه الحقيقة . فتشبيه الإنسان المجهز بالمنطق والدليل ، بالإنسان الذي يفتقر إلى الأدوات العلمية ، قياس مع الفارق . وهناك من يطرح تشبيهاً آخر مستفاداً أيضاً من بيت شعر لمولوي ، يقول : من المنظار يا عقل الوجود * اختلاف المؤمن والمجوس واليهود « 1 » يقول مولوي - كما قيل - إنّ الاختلاف بين الثلاثة : ( المؤمن ، المجوسي ، واليهودي ) ليس اختلافاً بين الحقّ والباطل ، وإنّما الاختلاف في الرؤية ، وهي ليست رؤية اتباع الأديان وإنّما رؤية أنبيائهم إلى الحقيقة ، فثلاثة أنبياء نظروا إليها من ثلاث زوايا ، أو انّها تجلّت للأنبياء الثلاثة من ثلاث زوايا ، لهذا عرضوا ثلاثة أديان ، فاختلاف الأديان - إذاً - ليس نابعاً فقط من اختلاف الظروف الاجتماعية أو تحريف الدين أو مجيء دين آخر يحل محله ، وإنّما اختلاف منظار اللَّه تعالى للعالم ، فكما جعل الطبيعة متنوعة فكذلك جعل الشريعة متنوعة » . « 2 » انّ تشبيه عمل الأنبياء بشيء ينظر إليه من ثلاثة زوايا ، سيكون صحيحاً عندما تشكل كلّ نظرة جزءاً من الحقيقة ، بحيث لو جمعنا جميع تلك النظرات في نقطة دائرية لتوفرنا على معرفة كاملة بالشيء ، فمثلًا عندما ينظر إنسان إلى آخر من منظار فكري ويعرّفه بأنّه إنسان مفكّر ، يقول إنّما حكمت عليه من منظار فكري . وإذا كان من علماء الأخلاق ونظر إليه من منظار غريزي ويعرّفه بأنّه إنسان
--> ( 1 ) . مثنوي ، الدفتر الثالث ، البيت : 1258 . ( 2 ) . صراطهاى مستقيم : 14 .